
كما برهنت عن فقاعة في تفكيره تشبه أزمة فقاعته الاقتصادية التي تصيب النظام الرأسمالي. فما يحصل ليس حرباً في سياق صراع عسكري وجيوبوليتيكي فحسب، بل في سياق حضاري وأخلاقي وثقافي، ويأتي في لحظة فارقة على صعيد النظام الدولي بين قديم مات وجديد يولد (وليس «جديد لم يولد» كما كتب غرامشي). أي إن حيثيات الحرب التي بدأت جولتها الأخطر في السابع من تشرين مع «طوفان الأقصى» تستبطن أكثر من دافع وبأكثر من مستوى وطبقة عند جهة العدوان الصهيوأميركي، وعند جبهة المقاومة أيضاً. فأن تفشل أميركا والكيان الصهيوني، بعد شهر من إطلاق إحدى أكبر حروبهما، من تحقيق أيّ من أهدافهما، فضلاً عن أن يظهرا في موضع المرتبك والمتخبّط والمتهور والمنفعل كالذي نراه، فهذا ما لم يكن يتوقعه ويؤمن بتحقّقه إلا مَن بلغ مبلغاً في فهمه للمقاومة ومنطقها وتجربتها.
وهؤلاء ظلوا محل تندّر من غالبية «النخب العربية» حتى الأمس القريب، الذين لم يدركوا لغة المقاومة، ربما لأنهم ينكرون ما لا يدركون!
تشكّل هذه الحرب بالفعل آخر محاولات أميركا لإعادة إنتاج هيمنتها وما تسمّيها هي بـ«حضارتها» من بوابة التقانة والفرض (السلام بالقوة) بينما تتطلع جبهة المقاومة إلى حضارة قوامها العدل والعقل والإفادة من كل علم وتقانة. تريد أميركا تعميم نمط الاستعباد والتبعية بينما تريد جبهة المقاومة تعميم منهج التحرّر والعزّة حيث الندّية ونبذ الاستعباد، وإنّ منهج المقاومة يتقدّم وينفذ إلى العقول والقلوب على امتداد العالم.
إنّ تحدّي المرحلة المقبلة يكمن أولاً في فهم نفس طبيعة التحدّي والمرحلة وخصائصها وجديدها والتعاطي معها وماذا يعني أننا بتنا واقعاً أمام «جديد يحتاج إلى إعادة تصميم»، ثم إلى ما يُحتمل أن يلجأ إليه العدو لصناعة توترات وأزمات بينية وفوضى. إنّ الذي استغرق في الحديث عن تعدد أقطاب يبدو استعجل بعض الشيء، فمن الواضح أننا لن نكون أمام تعدد أقطاب كلاسيكي كما هو معروف في القرنين التاسع عشر والعشرين يقوم على الثروة والردع والقوة، بل تعدد أقطاب يقوم على التنافس والتمايز الحضاري. وهنا تبرز إيران كقطب حضاري ربطاً بنموذجها الإسلامي التحرّري المقاوِم. وهنا لن تكون أميركا القطب المرجّح وقد لا تكون قطباً بعد ما شهدناه من تهاوي الديمقراطية الليبرالية في السياسة والمجتمع والرأسمالية في الاقتصاد والردع في العسكر وموازين القوى.
إنّ إمكانية استمرار أميركا من خلال الثروة والقوة إمكانية غير كافية لاستمرار التجربة ربطاً بطبيعة هويتها الهيمنية التي لا تعرف إلا التوسع والتسلّط وابتلاع نواتج الآخرين في معدتها الاستهلاكية المنتفخة. وإذا ذهبنا إلى نظام عالمي آخر غير مُعرّف من قَبل في علم السياسة - وهو ما نرجّحه- فأيضاً سيكون لحضارة الإسلام المقاوِم بقاعدته إيران موقعها البارز من ذلك لكونها ستدخل عنوة في مصفوفة القيم الدولية والموازين وتعدِّل فيهما، أو بالحد الأدنى تطعّمهما بقيم وخصائص جديدة بما يحدث تغييراً عميقاً وبنيوياً مقارنة بنتائج النظام الدولي ليالطا. فالنموذج الذي قدّمته إيران هو نموذج الإبداع والعقلانية والعزة والشجاعة والوفاء والإرادة وأصالة الحق، ما يجعلها تعدّل في مصفوفة القيم الدولية وليس فقط الموازين.
أمّا احتمالية زرع الفوضى، فهو ما يجب تحسّسه باكراً ومد الجسور وتصميم الهندسات الإقليمية والترتيبات البينية لتجنّبه. إنّ النصر الذي تحقّق حتى الآن (يمكن أن تزداد درجته قوة وشدة) سيؤسس لبنية دولية مختلفة عمّا تصوّره البعض من الغربيين تحت مُسمّيات تعدّد أقطاب كلاسيكي أو قطب مرجّح أو...غيره. هذا النصر الكبير، وحتى لحظة كتابة هذه السطور، حقّق فتحاً معرفياً ونفسياً عالمياً ووسّع خيارات المستضعفين بمواجهة الظالمين وقوى الهيمنة ويساهم في تحرير أفكارهم واختياراتهم لتُبنى عليه قواعد السياسة والتاريخ لعقود مقبلة.
باحث لبناني